الشيخ محمد رشيد رضا

400

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

في آدابه ومواعظه ، وأحكامه وحكمه ، وهداية نواميسه وسننه ، وما فيها من المنافع والمصالح ، التي لا يماري فيها عالم ولا يكابر فيها عاقل ؟ حتى أن أشد أعداء الرسول إيذاء له وصدا عن دعوته في أول ظهورها لم يستطيعوا الطعن على ما دعا اليه من الفضائل والخير والبر ، وما نهى عنه من الرذائل والشرور والفجور ، كأبي سفيان عندما سأله هرقل قيصر الروم ، وعمرو بن العاص عندما سأله أصحمة نجاشي الحبشة ، فإن كان ذلك قد خفي على بعض الجاحدين والمقلدين لهم من المشركين قبل تعميم نشر القرآن فيهم ، وقبل ظهور ما كان له من التأثير العظيم بعد انتشار الاسلام في العرب ، ومن الاصلاح الديني والمدني في شعوب العجم ، أفليس من العجب العجاب أن يماري به أحد بعد ذلك ويصدق ما يفتريه عليه دعاة الكنيسة ورجال السياسة من الإفرنج وتلاميذهم وهم أكذب البشر ؟ أجملت الآية الحكيمة هذا الاصلاح القرآني لأنفس البشر في أربع قضايا أو مسائل نكرن في اللفظ لتعظيم أمرهن ، أو لبيان انهن نوع خاص لم يعهد الناس مثلهن ، في كمالهن المعنوي وبيانهن اللفظي ، وقوله ( مِنْ رَبِّكُمْ ) للتذكير بما يزيدها تعظيما ، ووجوب الاتعاظ بها إيمانا وتسليما ، لأنها من مالك أمر الناس ومربيهم بفضله ورحمته ، وعلمه وحكمته ( الأولى الموعظة الحسنة ) وهي اسم من الوعظ أي الوصية بالحق والخير ، واجتناب الباطل والشر ، بأساليب الترغيب والترهيب التي يرق لها القلب ، فتبعث على الفعل والترك ، وقد تقدم في حقوق النساء من سورة البقرة ( 2 131 وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ) الآية ، وفي التي بعدها ( ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) وتقدم في سورة آل عمران بعد النهي عن أكل الربا والامر بطاعة اللّه ورسوله والترغيب في الانفاق في السراء والضراء وكظم الغيظ والعفو عن الناس ، وما أعده اللّه على ذلك من الجزاء ( 3 : 136 قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ) ويليه الكلام في الجهاد وغزوة أحد ، وفي سورة